المؤلف: إبراهيم يوسف نجاد
جميع الحقوق وحقوق الملكية الفكرية لهذه المذكرة محفوظة لمركز التجارة الإيراني في الصين.
تُعتبر وساطة الصين في استعادة العلاقات الدبلوماسية بين إيران والمملكة العربية السعودية بعد سبع سنوات من القطيعة نقطة تحول في الدبلوماسية الإقليمية والنظام الدولي. هذا النجاح الدبلوماسي، مع تسريعه عملية التخلي عن الدولرة في التجارة الدولية، يُقدم صورة جديدة لدور الصين في المعادلات العالمية.
دوافع الصين وأهدافها
في مقابلة مُفصّلة مع وكالة تسنيم، أوضح السفير الصيني لدى طهران، تشانغ هوا، الدوافع الرئيسية لبكين وراء هذه الوساطة. وقال: ”الهدف الرئيسي للصين ونقطة انطلاقها الأساسية لتعزيز المحادثات الإيرانية السعودية في بكين هو تعزيز السلام والحوار، والحفاظ على السلام والاستقرار الإقليميين وتعزيزهما”.
يعكس هذا النهج استراتيجية الصين الجديدة تجاه قضايا الأمن العالمي. وأكد تشانغ هوا أن ”الوقائع والتاريخ أثبتا مرارًا وتكرارًا أن تأليب فصيل على آخر، والتفرقة والحكم، والمواجهة بين المعسكرات، لم تكن قط الطريقة الصحيحة للتعامل مع قضايا الأمن”.
الصين في مواجهة الهيمنة الأمريكية
كان من أهم ما تناوله السفير الصيني في حديثه انتقاده الصريح للسياسات الأمريكية في المنطقة. وسلّط الضوء على الأثر السلبي للوجود الأمريكي في المنطقة، مشيرًا إلى ”التدخل الأجنبي كعامل رئيسي يُقوّض أمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط”.
فيما يتعلق بردود الفعل السلبية للغرب على وساطة الصين، صرّح تشانغ هوا: ”إن الولايات المتحدة والغرب يستغلان هيمنة الرأي العام، ويتلاعبان بالقضايا الخلافية، وينشران دعاية مضللة”. يعكس هذا الموقف التنافس المتزايد بين القوتين العظميين على النفوذ الإقليمي.
لا يوجد فراغ في الطاقة
وردا على ادعاء الغرب بأن الصين تستغل ”فراغ القوة” في المنطقة، اتخذ السفير الصيني موقفا واضحا: ”لقد اعتقدت الصين دائما أنه لا يوجد ما يسمى بفراغ القوة في الشرق الأوسط، كما تصرخ بعض البلدان، وأن شعوب الشرق الأوسط تملك مستقبل ومصير المنطقة”.
وتعكس هذه النظرة نهج الصين المتمثل في احترام سيادة الدول الإقليمية، وتتناقض مع السياسات التدخلية الأميركية.
إنجازات الوساطة
ووصف تشانج هوا إنجازات الوساطة الصينية بأنها ثلاثية:
أولاً : ”ضمانة أقوى للحفاظ على السلام والاستقرار الإقليمي، وهو أمر ذو أهمية كبيرة لتعزيز وحدة وتعاون دول المنطقة وخفض التوترات الإقليمية”.
ثانياً : ”تقديم نموذج مهم للدول في مختلف أنحاء العالم لحل النزاعات عن طريق التفاوض والتشاور”.
ثالثا : ”توفير نموذج استثنائي لدعم مبادرات الأمن العالمي وبناء مجتمع إنساني ذي مستقبل مشترك”.
إزالة الدولرة والتطورات المالية
خُصص جزءٌ مهمٌ من مقابلة السفير الصيني لقضية العقوبات الأمريكية وعملية نزع الدولرة. وأكد تشانغ هوا أن ”الولايات المتحدة فرضت حتى الآن عقوباتٍ اقتصاديةً غير قانونية على ما يقرب من 40 دولةً في العالم، مما أثر على ما يقرب من نصف سكان العالم”.
وفيما يتعلق بتأثيرات هذه السياسات على النظام المالي العالمي، قال: ”بما أن حكومة الولايات المتحدة تستخدم الدولار كأداة لحماية مصالحها الجيوسياسية وكبح جماح تطور الأنظمة الاقتصادية الأخرى، فقد انخفضت ثقة العالم الخارجي في الدولار بشكل حاد”.
التعاون الاقتصادي بين إيران والصين
كما تناول السفير الصيني العلاقات الاقتصادية الثنائية، وأشار إلى ”خطة التعاون الشاملة بين الصين وإيران” باعتبارها الإطار الشامل لمستقبل العلاقات بين البلدين. وأكد أن ”هذه الخطة تحدد رؤية واتجاه التعاون طويل الأمد بين الجانبين، وتوفر إطارًا شاملًا لمستقبل التعاون المستقبلي بين الصين وإيران”.
وفيما يتعلق بدور إيران في مبادرة ”حزام واحد، طريق واحد”، أشار تشانغ هوا إلى أن ”إيران تقع في المنطقة الرئيسية لطريق الحرير البري والبحري، وكانت بمثابة عقدة مهمة على طريق الحرير منذ الماضي”.
الأزمة الأوكرانية ودبلوماسية السلام
في الجزء الأخير من المقابلة، أوضح السفير الصيني موقف بكين من الأزمة الأوكرانية، قائلاً: ”منذ بداية الأزمة الأوكرانية، اتخذت الصين موقفًا موضوعيًا ومنصفًا، وشجعت بنشاط مفاوضات السلام”.
وأكد تشانج هوا أن ”التاريخ أثبت أن جميع النزاعات تم حلها في نهاية المطاف من خلال الحوار والتفاوض”، وهو ما يعكس فلسفة الصين الشاملة تجاه حل النزاعات الدولية.
خاتمة
يُمثل نجاح وساطة الصين في استعادة العلاقات بين إيران والسعودية تحولاً جوهرياً في النظام الدولي. هذا النجاح، إلى جانب تسريعه عملية التخلي عن الدولار وتقليص النفوذ الأمريكي في المنطقة، يُبرز بكين كقوة رئيسية جديدة في المعادلات العالمية.
تُظهر تصريحات السفير الصيني أن بكين تدرس استراتيجية شاملة لاستبدال النظام الأمريكي المهيمن بآخر قائم على الاحترام المتبادل والتفاوض والتعاون المربح للجميع. ويمكن أن يُوفر هذا النهج نموذجًا جديدًا لحل النزاعات الدولية وإدارة العلاقات العالمية.
كما أن التركيز الصيني على ”مسار أمني جديد يقوم على الحوار بدلاً من المواجهة، والشراكة بدلاً من التحالف، والفوز المشترك بدلاً من الربح الصفري” يعكس النهج المختلف الذي تتبناه البلاد مقارنة بالسياسات التقليدية للقوى العظمى.









